ابن الجوزي
56
صيد الخاطر
أعمى ، ولو أنهم تلمحوا للأمر الأول ، الذي كان عليه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم والصحابة رضي اللّه عنهم ، لما زاغوا . ولقد كان جماعة من المحققين ، لا يبالون بمعظّم في النفوس إذا حاد عن الشريعة ، بل يوسعونه لوما . فنقل عن أحمد أنه قال له المروزي : ما تقول في النكاح ؟ فقال سنة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : قد قال إبراهيم « 1 » . قال : فصاح بي وقال جئتنا ببنيّات الطريق ! وقيل له أن سريا السقطي قال : لما خلق اللّه تعالى الحروف ، وقفت الألف وسجدت الباء ، فقال : نفروا الناس عنه . واعلم أن المحقق لا يهوله اسم معظم ، كما قال رجل لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير ، كانا على الباطل ؟ فقال له : « إن الحق لا يعرف بالرجال ، اعرف الحق تعرفه أهله » . ولعمري أنه قد وقر في النفوس تعظيم أقوام ، فإذا نقل عنهم شيء فسمعه جاهل بالشرع قبله لتعظيمهم في نفسه كما ينقل عن أبي يزيد رضي اللّه عنه ، أنه قال : تراعنت على نفسي فحلفت لا أشرب الماء سنة . وهذا إذا صح عنه ، كان خطأ قبيحا ، وزلة فاحشة ، لأن الماء ينفذ الأغذية إلى البدن ، ولا يقوم مقامه شيء ، فإذا لم يشرب فقد سعى في أذى بدنه ، وقد كان يستعذب الماء لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أفترى أن هذا فعل من يعلم أن نفسه ليست له ، وأنه لا يجوز التصرف فيها إلا عن إذن مالكها ؟ وكذلك ينقلون عن بعض الصوفية ، أنه قال : سرت إلى مكة على طريق التوكل حافيا ، فكانت الشوكة تدخل في رجلي فأحكها بالأرض ولا أرفعها ، وكان عليّ مسح ، فكانت عيني إذا آلمتني أدلكها بالمسح فذهبت إحدى عينيّ . وأمثال هذا كثير وربما حملها القصاص على الكرامات ، وعظموها عند العوام ، فيخايل لهم أن فاعل هذا أعلى مرتبة من الشافعي ، وأحمد . ولعمري إن هذا من أعظم الذنوب وأقبح العيوب ، لأن اللّه تعالى قال : « وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : إن لنفسك عليك حقا . وقد طلب أبو بكر رضي اللّه عنه ، في طريق الهجرة للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : ظلا حتى رأى صخرة ففرش له في ظلها . وقد نقل عن قدماء هذه الأمة بدايات هذا التفريط ، وكان سببه ، من وجهين : أحدهما الجهل بالعلم ، والثاني : قرب العهد بالرهبانية ، وقد كان الحسن يعيب فرقدا السبخي « 2 » ،
--> ( 1 ) يريد أن يحدثه عن إبراهيم بن أدهم فما تركه يتم جملته . ( 2 ) في الأصل المطبوع والمخطوط وفي طبقات الشعراني وفي كثير من الكتب السنجي بنون وجيم وهو السبخي بباء وخاء نسبة للسبخة من نواحي البصرة .